
عن ابن تيمية - رحمه الله - بهذا يقرر حقيقة مهمة وهي أن الخطأ من طبيعة الإنسان وأنه مهما بلغ أعلي درجات التقوى والصلاح والمتمثلة في الولاية فلن يخلو من خطأ أو نقص أو عيب فيه، فالكمال لله سبحانه وتعالي وحده.
وقد قرر النبي - صلي الله عليه وسلم - ذلك بقوله: "كل بني آدم خطاء، وخير الخطاءين التوابون".
وإذا كان الأمر كذلك فحري بالمؤمنين أن يزينوا أخلاقهم بخلق التغافل عن أخطاء وعيوب إخوانهم إذا لم تترتب عليها مفسدة، وأن يقبل الأخ أخاه بعينه الذي هو فيه، وأن يغض الطرف ويتغافل عما لا يعجبه فيه من صفات أو طبائع، فإن ذلك من مكارم الأخلاق وسبيل للعافية كما قال الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله: "العافية عشرة أجزاء كلها في التغافل".
والتغافل هو: تكلف الغفلة مع العلم والإدراك لما يتغافل عنه تكرما وترفعا عن سفاسف الأمور.
وهو من شيم الكرام كما قال سفيان: "مازال التغافل من فعل الكرام".
بل التغافل من أخلاق السادة كما قال أبوتمام:
وليس الغبي بسيد في قومه. إنما سيد قومه المتغابي
أما أصحاب المهم الدنيئة فيقفون عند الهفوات، ويلتمسون مواطن الزلات والعثرات، وكما يقولون يجعلون من الحبة قبة ومن القبة مزارا.
أما الأكياس العقلاء فإنهم يتغافلون عن الهفوات، ويقيلون العثرات كما قال الإمام الشافعي: "الكيس العاقل هو الفطن المتغافل".
ومع طول الصحبة وصدق المودة تشتد الحاجة للتغافل روي البخاري في صحيحة من حديث أنس - رضي الله عنه - أنه قال: "خدمته - يعني النبي صلي الله عليه وآله وسلم - في السفر والحضر ما قال لي لشيء صنعته: لم صنعت هذا هكذا؟ ولا لشيء لم أصنعه لم تصنع هذا هكذا".
وفي حديث أم زرع قالت إحدى النساء واصفة زوجها مادحة إياه علي صنيعه معها: "زوجي إن دخل فهد وإن خرج أسد، ولا يسأل عما عهد" قال بعض العلماء في تفسير (فهد): إنها تشبهه بالفهد، إذ أن الفهد حيوان شديد التغافل فهي تصفه بأنه يتغافل عن عيوبها وزلاتها مع معرفته بتلك العيوب كرما منه.
وقد ترك لنا سلفنا الصالح كنزا من الأقوال المأثورة التي تحث علي التغاضي والتغافل عن هفوات الإخوان: فأبوعمرو المكي يقول: "من المروءة التغافل عن زلل الإخوان". وقال بعض العارفين: "تناس مساوئ الإخوان تستدم ودهم".
فبمثل هذه الأخلاق ساد وسما هؤلاء العظام.
فما أجمل هذا الخلق الجميل، وما أحوجنا أن نتخلق به متغافلين ومتجاوزين عن الهفوات ومقالين لعثرات ساترين للقبيح ومظهرين للجميل.
فهيا بنا نزين أخلاقنا بخلق التغافل.
..................
قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب سلام الله عليه
" أُغَمِّضُ عيني عن أمورٍ كثيـرة وإني على تـرك الغُموضِ قديـر
وما من عمىً أُغضي ولكن لربما تعامى وأغضى المرء وهو بصير
وأسكت عن أشياءَ لـو شِئْتُ قُلتُها وليس علينا في المـقـال أميـر
أُصبِّر نفسي بـاجتهادي وطاقتي وإني بـأخـلاق الـجميع خبير "
وقال ابن حيان رحمه الله
" من لم يعاشر الناس على لزوم الإغضاء عما يأتون من المكروه ،
وترك التوقع لما يأتون من المحبوب- كان إلى تكدير عيشه أقرب منه إلى صفائه ،
وإلى أن يدفعه الوقت إلى العداوة والبغضاء أقرب منه أن ينال منهم الوداد وترك الشحناء "
وقال ابن الوردي
تجنبْ أصدقاءَكَ أو تغافَلْ
لهمْ تظفرْ بودهمُ المبينِ
وإنْ يتكدروا يوما فَعُذْرا
فإن القومَ منْ ماءٍ وطينِ
............................
يـــالروعـــــــــــة التغاضي والتغافل
راحة للقلب وسكون للروح